أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
92
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الثاني : أن يكون « ذلِكَ » مبتدأ ، و « مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ » خبره ، والجملة من « نُوحِيهِ » مستأنفة ، والضمير في « نُوحِيهِ » عائد على الغيب ، أي : الأمر والشأن أنّا نوحي إليك الغيب ونعلمك به ونظهرك على قصص من تقدّمك مع عدم مدارستك لأهل العلم والأخبار ، ولذلك أتى بالمضارع في « نُوحِيهِ » ، وهذا أحسن من عوده على « ذلِكَ » ؛ لأنّ عوده على الغيب يشمل ما تقدّم من القصص وما لم يتقدّم منها ، ولو أعدته على « ذلِكَ » اختصّ بما مضى وتقدّم . الثالث : أن يكون « نُوحِيهِ » هو الخبر ، و « مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ » على وجهيه المتقدّمين من كونه حالا من « ذلِكَ » أو متعلّقا بنوحيه ، ويجوز فيه وجه ثالث على هذا وهو أن يجعل حالا من مفعول « نُوحِيهِ » أي : نوحيه حال كونه بعض أنباء الغيب . قوله : إِذْ يُلْقُونَ فيه وجهان : أحدهما : وهو الظاهر أنه منصوب بالاستقرار العامل في الظرف الواقع خبرا . والثاني - وإليه ذهب الفارسي - أنه منصوب بكنت ، وهو عجيب منه لأنه يزعم أنّها مسلوبة الدلالة على الحدث فكيف تعمل في الظرف والظرف وعاء للأحداث ؟ والذي يظهر أن الفارسي إنما جوّز ذلك بناء منه على ما يجوز أن يكون مرادا في الآية ، وهو أن تكون « كان » تامة بمعنى : وما وجد في ذلك الوقت . والضمير في « لَدَيْهِمْ » عائد على المتنازعين في مريم وإن لم يجر لهم ذكر ، لأنّ السياق قد دلّ عليهم ، وهذا الكلام ونحوه كقوله تعالى : وَما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ « 1 » وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ « 2 » وإن كان معلوما انتفاؤه بالضرورة جار مجرى التهكم بمنكري الوحي ، يعني أنه إذا علم أنك لم تعاصر أولئك ولم تدارس أحدا في العلم فلم يبق اطلاعك عليه إلا من جهة الوحي . والأقلام جمع « قلم » وهو فعل بمعنى مفعول أي : مقلوم ، والقلم القطع ، ومثله القبض والنقص بمعنى المقبوض والمنقوص ، وقيل له : قلم ؛ لأنه يقلم ، ومنه « قلّمت ظفري » أي : قطعته وسوّيته ، قال زهير : 1285 - لدى أسد شاكي السّلاح مقذّف * له لبد أظفاره لم تقلّم « 3 » وقيل : سمّي القلم قلما تشبيها له بالقلامة وهي نبت ضعيف ؛ وذلك أنه يرقّق فيضعف . وفي المراد بالأقلام هنا خلاف : هل هي التي يكتب بها أو قداح يستهم بها كالأزلام ؟ قوله : أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ هذه الجملة منصوبة المحل ؛ لأنها متعلقة بفعل محذوف ، ذلك الفعل في محلّ نصب على الحال تقديره : يلقون أقلامهم ينظرون : أيّهم يكفل مريم أو يعلمون ، وجوّز الزمخشري أن يقدّر « يقولون » ، فيكون محكيا به ، ودلّ على ذلك قوله : « يُلْقُونَ » . وقوله : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ كقوله : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ . [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 45 ] إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ( 45 )
--> ( 1 ) سورة القصص ، آية ( 46 ) . ( 2 ) سورة يوسف ، آية ( 102 ) . ( 3 ) انظر ديوانه ( 23 ) .